Bab9 أحكام حد الزنا
الحد في اللغة: بمعنى الفصل والمنع فنقول مثلًا للبواب والسجان: حداد؛ لأنه يمنع عن الخروج، ونقول: حده أي: أقام عليه الحد، ولماذا سمي حدًّا؟ لأنه يمنع المحدود عن المعاودة مرة ثانية إلى ما كان عليه من ارتكابٍ للجرائم. · والحد: هو العقوبة المقدرة من قبل الله -تبارك وتعالى- إزاء ارتكاب أنواع معينة من الجرائم، ولا يجوز لأحد مهما كان قدره أن يتدخل فيها بالزيادة والنقصان
· ولا شك أن الحدود من جملة العقوبات، التي فرضها الله -تعالى-؛ لتكون زواجر رادعة عن ارتكاب المحذور عن ترك أوامر الله، وفي ذلك ما يصون للمجتمع الإسلامي كرامته، وأمنه واستقراره، ويحفظ عليه تماسكه، والتئامه، ويدرأ عنه كل أسباب الشر، والسوء، والفتنة، كما يكون المجتمع طاهرًا نقيًّا سليمًا من عيوب التخلل، والتفكك والوهن.
حد الزنا:
· إن الفقهاء حددوا جريمة الزنا، التي تستوجب هذا الحد هو الرجم لغير المحصن، والجلد للمحصن، فقالوا في
بيان ذلك: هو الوطء من البالغ العاقل في أحد الفرجين من قبل، أو دبر، ممن لا عصمة بينهما، ولا شبهة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فهم يرون أن الزنا الموجب للحد، يتحقق في وطء البالغ العاقل في أحد الفرجين القبل أو الدبر، بشرط أن لا يكون هناك شبهة.
· أما فقهاء الحنفية إذا نظرنا إليهم، فنجدهم يقولون: الزنا الموجب للحد مختصًّا بالقبل دون الدبر.
· وبذلك فإنه لا يجب الحد بغير ما بيناه من زنا حقيقي ومباشر، وهو أن يغيب جزء من القبل في الفرج الآخر، مثلما يغيب المرود في المكحلة، أو الرشاء في البئر، ومن ثم إذا كان هو ضابط الزنا الموجب للحد، فإنه بناءً على ذلك لا ينبغي أن يقام حد لما هو دون ذلك، والفلسفة في ذلك أنه ما دام حد الزنا معتبرًا عقوبةً كبيرة وصارمة، فإن ذلك يقتضي أن تكون الجناية أيضًا كذلك كاملة، وهي الوطء الحقيقي، الذي يغيب معه الفرج، ولو بعضه في الفرج الآخر
· شروط حد الزنا:
· الشرط الأول: التكليف.
· الشرط الثاني: الاختيار.
· الشرط الثالث لتنفيذ عقوبة حد الزنا: العلم بالتحريم.
· الشرط الرابع: انتفاء الشبهة. · هل يثبت الزنا بالإقرار؟· الإقرار ويعني أن يعترف الزاني بحصول الزنا منه، وذلك في وضوح وصراحة، ومن غير تردد ولا لبس، هذا هو الإقرار اعتراف بالزنا واضح وصريح، دون تردد ولا غموض؛ ولكي يكون الإقرار صريحًا، لا بد من اعتبارات حتى يستوجب الإقرار الحد، ومن تلك الاعتبارات:
· الاعتبار الأول: ويتمثل هذا الاعتبار في أن يقر الزاني بوقوع الزنا منه أربعة أقارير، على أن يكون إقراره طوعًا
...ودون إكراه، ومن ثم فإذا أكره الشخص على الإقرار بالزنا، فإن إقراره لا يوجب حدًّا أيًّا كان هذا الإقرار
· الاعتبار الثاني في الإقرار: قالوا: أن يذكر المقر حقيقة ما فعل؛ لأنه قد يحتمل أن ما دون حقيقة الزنا يعتبر أمرًا موجبًا للحد.
· الاعتبار الثالث من اعتبارات الإقرار: إثبات العقل.
· يشترط لإقامة الحد على الزاني بالإقرار بقاؤه على إقراره إلى تمام الحد، أما إن رجع عن إقراره قبل تنفيذ الحد، أو خلال تنفيذه، وجب الكف عن تنفيذ الحد فيه، وهذا ما قال به الإمام مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة وأحمد، وهناك من الفقهاء من يرى أن الحد يقام على المقر، حتى وإن رجع عن إقراره وهو قول للحسن البصري وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى، حيث قالوا: يقام على المقر الحد، ولا يترك برجوعه عن إقراره، واحتجوا لذلك بأن ماعزًا هرب عند إقامة الحد فقتلوه، ولم يتركوه، ولو قبل رجوعه للزمتهم الدية، هذا فيما يتعلق بالإقرار
هل الزنا يثبت بالبينة ؟· البينة: هي أن يشهد على حقيقة الزنا أربعة من الشهود، يصفون الزاني وصفًا تامًّا، وأنه وقع بالفعل، الذي لا يخالطه لبس أو شك، متى شهد الشهود بذلك، فإن لتلك الشهادة اعتبار في إقامة الحد، ولكن لا بد أن يكون هناك...
...شروط، تتوافر في هؤلاء الشهود، حتى نقيم على الزاني الحجة، ويقام عليه الحد، هذه الشروط تكمن في:
· الشرط الأول: أن يكون الشهود أربعة، وهذا ما أجمع عليه العلماء بغير خلاف.
· الشرط الثاني: أن يكون الشهود كلهم من الرجال، وعلى ذلك فلا تقبل في الحدود شهادة النساء، وهو مما ذهب به عامة العلماء بلا خلاف، ووجه ذلك أن الحدود تنطوي على خطوة؛ لما فيها من إزهاق للنفس، أو إذهاب لبعض الأعضاء من البدن، أو ألم بالضرب، وبناءً على ذلك فلا مجال للتساهل في تشريع الحدود؛ ولذلك جعلت شهادة النساء في الحدود شبهة؛ لاحتمالات الضعف أو الغفلة أو الجنوح، وليس في ذلك إنقاص من شأن النساء، ولكنه الأخذ بعين الاعتبار للمراعاة الكاملة لفطرة كل من الذكر والأنثى
الشرط الثالث: الحرية: فلا تقبل شهادة العبيد في الحدود، وذلك لخطورة الأمر، وأهمية الموقف مما يوجب الحيطة والحرص.
· الشرط الرابع: العدالة وهي شرط في سائر الشهادات، ومن ثم ففي الحدود أولى.
· الشرط الخامس: الإسلام وهو أن يكون الشهود مسلمين.
· الشرط السادس: أن يصف الشهود الزنا وصفًا دقيقًا، وهذا قول عامة أهل العلم؛ وبذلك فإن الحاكم عليه أن يسأل الشهود عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنا؟ ومتى؟ وبمن زنا؟ فإذا لم يكن الجواب وافيًا ودقيقًا، وبعيدًا عن الريبة والاضطراب وجب إيقاف الحد؛ لأن ذلك شبهة
· الشرط السابع: حضور الشهود في مجلس واحد، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، وهو قول الشافعية والحنفية.
· أما فقهاء الحنفية والمالكية، فقد اشترطوا أن يكون المجيء في مجلس القاضي، واشترطوا أيضًا الاجتماع في المجيء، ومن ثم فإن جاءوا غير مجتمعين، أو إن جاءوا متفرقين فهم قذفة، ويجب في حقهم حد القذف، أما إن جاء...
...البعض منهم بعد قيام الحاكم من مجلسه كانوا جميعًا قذفة، وعليهم حد القذف عند فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة. حد الزاني المحصن وغير المحصن:· المحصن: مأخوذ من الحصن وهو الموضع المنيع، وأحصن الشيء منعه وصانه، ومنه قول الله تعالى: ((وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)) [الأنبياء: ٩١]، وتحصن أي: اتخذ له حصنًا، وعلى هذا فالمحصن هو المتزوج الذي تحصن بالزواج، فاستعصم من الغواية والفتنة؛ ليظل في منجاة من السقوط في الرذيلة.
· أما عن عقوبة الحر المحصن إذا زنا، أو الحرة المحصنة إذا زنت، فالحد في حقهما هو الرجم بالحجارة حتى الموت، وعلى هذا فإن حد الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، هو الرجم بالحجارة حتى الموت، ولقد ثبت الرجم بالدليل القاطع، الذي لا يحتمل شيئًا من شك أو تردد، بما لا يدع مجالًا للشك، ومما لا شك فيه أن الرجم، قد ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالقول والفعل في أخبار صحيحة متضافرة، وهو ما أجمع عليه صحابة
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
· هذا هو الحد بالنسبة للمحصن، ولكن هل هذا الحد أيضًا يقع لو أن شخصًا زنى بإحدى محارمه، كما لو وقع الرجل على أخته من النسب، ومن الرضاعة أو زنى بابنة أخيه، أو ابنة أخته، لا جرم أن ذلك ضرب من الزنا، لا ينحدر إليه إلا فاسد الفطرة، ضرب مستقبح لا يحتمل غير القتل من غير تفريق بين محصن وغير محصن، وفي هذا المعنى يقول -صلى الله عليه وسلم-: ((من وقع على ذات محرم فاقتلوه))
· هل هناك صفة للرجم ينبغي أن تعتبر؟
· الفقهاء يقولون: إذا كان الزنا بعد إحصان جيء بالزاني قائمًا دون تصفيد، ولا ربط، ودون أن تحفر له حفرة؛ ليوضع فيها ثم تقوم طائفة من المسلمين برميه بالحجارة، حتى يموت، ويستوي في ذلك ما لو ثبت الزنا بالإقرار أو البينة.
· ودليل ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رجم ماعز لم يحفر له، بل رجم وهو قائم، هذا كما قلنا رأي الجمهور من الفقهاء
Bab10 حد القذف
القذف في اللغة معناه: الرمي بالسهم، والحصى والكلام، وكل شيء؛ إذ كما نعلم أن المصطلح عند أهل اللغة تتعدد معانيه تبعًا لما يشتق منه، ولذلك يتسع معنى القذف في اللغة لمعان متعددة.· أما عن القذف شرعًا أو على لسان الشرع، فهو الرمي بالزنا صراحة أو دلالة بمعنى أن يرمي شخص آخر عفيفًا بالزنا أو اللواط، وكان الرمي صريحًا واضحًا، أو كان الرمي على سبيل الكناية بما يدل على المقصود، وهو الرمي بالزنا، كما لو قال إنسان لآخر عفيف: يا ابن فلانة.
· ومما لا شك فيه أن القذف حرام، بل هو كبيرة من الكبائر التي استبشعها الإسلام، فتوعد العصاة والفسقة الذين يجترئون على الناس في أعراضهم وكرامتهم، توعدهم بالعذاب والتنكيل في الدنيا والآخرة، ولا شك أيضًا أن القذف واحد من السبع الموبقات.
· وكذلك قد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفًا.
· وعقوبة القاذف ثمانون جلدة، كما بينتها الآية الكريمة: ((فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً))
· شروط حد القذف :
· الشرط الأول: أن يكون القاذف مكلفًا.
· الشرط الثاني: أن يكون المقذوف محصنًا.
· الشرط الثالث: ألا يكون القاذف والدًا للمقذوف، ويدخل في الوالد الأصل وإن علا .
· الشرط الرابع: أن يقذف بالزنا الذي يوجب الحد.
· الشرط الخامس: عدم إثبات القذف بأربعة شهداء، فإذا أتى القاذف بهم، فلا حد عليه.· بيان عقوبة القذف: · يرى الفقهاء أنه طالما أن عقوبة القذف من العقوبات التي تعتبر حقًّا للمقذوف، فله المطالبة باستيفائه إن أراد، وله كذلك أن يعفو عن القاذف، ويسقط عنه الحد. هذا ما ذهب إليه فقهاء الشافعية والحنابلة، كالصدقة بالعرض لا تكون إلا بالعفو عما يجب له.
وكذلك فإن حد القذف هو جزاء لجناية وقعت على المقذوف، ومن ثم فإنه ينبغي المطالبة به لاستيفائه، وعلى هذا فإن حد القذف بالزنا يعتبر حقًّا من حقوق الآدميين، يستحق بالطلب، ويسقط بالعفو، ويستوي في ذلك ما إذا بلغ الإمام أم ما لم يبلغه. هذا هو رأي فقهاء الشافعية والحنابلة في مسألة ما إذا كان للمقذوف الحق في أن يتمسك به أو أن يعفو عن القاذف.
· أما المالكية فظاهر المذهب أن ثمة قولين عندهم :
· أحدهما: أن حد القذف هو حق الآدمي، وهو إذن للمقذوف، ثانيهما: أن حد القذف هو حق لله تعالى، ومن ثم فليس للآدمي -أي المقذوف- أن يسقطه. هو قول الحنفية أيضًا.
· وإن كان لفقهاء الحنفية تفصيل؛ حيث نرى خلاصة هذا التفصيل أن يفرق بين حال المقذوف لو كان حيًّا، وحاله لو كان ميتًا:
· فإن كان المقذوف حيًّا، فليس لأحد سواه أن يطالب باستيفاء حد القذف من القاذف، حتى وإن كان أصله وإن
...علا، أو فرعه وإن نزل، ويستوي في ذلك ما لو كان المقذوف حاضرًا أو غائبًا، وتوجيه ذلك عند فقهاء الحنفية أن المقذوف إن كان حيًّا وقت القذف كان هو المقذوف من حيث الصورة والمعنى، وذلك بإلحاق العار به، فكان له حق الخصومة دون غيره.
· أما الإنابة عن المقذوف بتوكيل غيره في الخصومة، فثمة خلاف في المذهب الحنفي؛ حيث قال الإمامان أبو حنيفة ومحمد بجواز الإنابة، وقال أبو يوسف: لا يجوز.
· أما إذا كان المقذوف ميتًا، فإن عندهم؛ أي عند فقهاء الحنفية لأصله وإن علا، ولفرعه وإن نزل، ذكرًا كان أو أنثى أن يخاصم القاذف في القذف، ووجه ذلك أن القذف يعني إلحاق العار بالمقذوف، ومعلوم أن الميت ليس محلًّا لإلحاق العار به، على هذا لا يكون معنى القذف راجعًا إليه بل إلى فروعه وأصوله لما يلحقهم من عار بقذف الميت؛ وذلك لأن قذف الإنسان يعتبر قذفًا لأجزائه، فكان القذف بهم من حيث المعنى، وبذلك يثبت لهم حق الخصومة بدفع العار عن أنفسهم، بخلاف ما لو كان المقذوف
....حيًّا وقت القذف ثم مات، فإنه ليس للأصل، ولا للفرع الحق في الخصومة
Bab11 حد شرب الخمر وأحكامه
وصفت الخمر في القرآن الكريم بأنها رجس؛ أي شر من عمل الشيطان، وأنها توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه صفات تنال من دين المسلم وإيمانه وأخلاقه، وهي كافية شرعًا للعن عشرة أشخاص أو مجموعات من الناس، بمعنى أن يطردوا من رحمة الله
تبارك وتعالى- ومن رضوانه في الدنيا والآخرة؛ لأنهم يشتركون على نحو ما في مسئوليتها؛ حيث ورد في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن عين الخمر؛ أي مادتها وشاربها، وساقيها، وبائعها ومبتاعيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها
ومخدرات هذا العصر بخاصة التصنيعية كالهيروين والماكس
وما إلى ذلك أعظم في ضررها كثيرًا من الخمر، ففيها كل الصفات السابقة بالإضافة إلى صفات أخرى أشنع منها وأعم ضررًا، فإذا كانت الخمر تهدم الدين والخلق والعقل وشيئًا من المال والصحة، وتنتهي في معظم الحالات بإذهاب النفس البشرية، وذلك إلى جانب إضاعة الدين والعقل.
أدلة تحريم الخمر، وحد شاربها، ومقدار هذا الحد ؟
ومما لا شك فيه أن الخمرة حرام شربها، وكذا جميع أنواع الممارسات حولها، كالحمل والاتجار، وغير ذلك، الكل حرام، وقد ثبت التحريم بكل من: الكتاب والسنة المطهرة، وإجماع العلماء بلا خلاف، إلا ما كان من رأي ليس له قيمة، ومن ثم فلا ينبغي الالتفات إليه، ولا يستحق غير الإهمال والاستهجان.
· حد شارب الخمر : لقد أجمع العلماء على وجوب الحد على شارب الخمرة المأخوذة من عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، أما ما عداه من الأشربة المسكرة، فلا يخلو من خلاف ، وعلى العموم، فإن الحد على الشارب ثبت وجوبه من السنة ثبوتًا قطعيًّا حتى عقب الفترة النبوية أقام الخلفاء الراشدون الحد على الشاربين بعلم الصحابة وتأييدهم، ومن ثم كان ذلك إجماعًا.
· مقدار حد شارب الخمر : العلماء في قدر الحد للشارب على قولين :
· القول الأول، وقد ذهب من قال به : إلى أن حد الشارب ثمانون جلدة، واستدلوا لذلك بإجماع الصحابة -رضي الله تبارك وتعالى عنهم- فقد أخرج "الموطأ" أن عمر بن الخطاب استشار في
...الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب: أرى أن تضربه ثمانين جلدة، فإنه إذا ما شرب سكر، وإذا سكر هزي، وإذا هزي افترى. أو كما قال في الحديث، فجلده عمر في الخمر ثمانين جلدة.
· كذلك أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ((أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين)) قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين. فأمر به عمر، وكان ذلك على مشهد من الصحابة، فلم يخالفه أحد، فكان ذلك إجماعًا.
· وهذا الرأي قال به فقهاء الحنابلة والحنفية والمالكية، انتهوا إلى أن حد الشارب ثمانون جلدة بإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- كما بينا كيف حدث الإجماع.
· أما القول الثاني، وهو للشافعية، فقد قالوا: الأصل في حد الشارب هو أربعون جلدة، لكن الإمام له أن يزيد في العدد إلى ثمانين إن رأى أن ذلك أبلغ في الزجر، وأشد في ترهيب الفساق والعصاة الذين لا يردعهم عن فعلتهم
...المحذورة هذا إلا أن يذوقوا الإيلام والإيجاع.
· اتفقت كلمة العلماء على أن عصير العنب إذا طبخ وغلى ثم اشتد وقذف بالزبد، كان حرامًا شربه واستعماله أو الانتفاع به كما بينا، وذلك ما لا خلاف فيه من أحد إلا ما كان قولًا يستند إلى هوى مردود.
· أما المتخذ من غير العنب كما لو كان من الرمّان أو التين أو التفاح أو التمر أو الشعير أو العسل، فذلكم موضع خلاف، وفيه للعلماء قولان.· وسائل إثبات الشرب الموجب للحد: · اتفقت كلمة الفقهاء على أنه لا يجب حد الشرب إلا إذا ثبت الشرب بكل من الإقرار والبينة، وذلك ما لا خلاف فيه من أحد، لكن بم يتحقق الإقرار؟ الإقرار يتحقق بأن يقر الجاني بحصول الشرب أو السكر، ولو مرة واحدة، ومن ثم فإنه لا يشترط الإقرار بأكثر من مرة، كما هو الشأن بالنسبة للزنا، لماذا؟
· قالوا: لأن الحد في الشرب لا يتضمن إزهاقًا للنفس، ومن ثم فيكون الأمر فيه يختلف عن الإقرار في الزنا
...الذي قد يتضمن إقامة الحد فيه إزهاق النفس في حالة ما إذا كان الجاني أو الزاني محصنًا، وإذا قلنا يكتفى بالإقرار ولو مرة واحدة إلا أن الإمام أبا يوسف من فقهاء الحنفية اشترط الإقرار مرتين.
· هل يشترط في الإقرار بقاؤه حتى يقام الحد على الشارب ؟ يشترط في الإقرار بقاؤه؛ أي بقاء المقر على إقراره حتى يقام عليه الحد، ومن ثم فإن رجع المقر بالشرب عن إقراره قبل رجوعه، ولا حد عليه في تلك الحالة، ووجه ذلك أو الدليل على ذلك أن الحدود يقبل فيها الرجوع من المقر؛ لأنها لله -سبحانه وتعالى- هذا هو الأمر الأول الذي يثبت به الشرب، وهو الإقرار.
· هل يباح شرب الخمر للمكره وللمتداوي؟ وهل يحد؟ وماذا عن الشرب إكراهًا؟ هل يجب الحد على من شرب الخمر مكرهًا؟
· الفقهاء يقولون: يشترط لوجوب الحد في الشرب أن يكون الشارب مختارًا لشرب الخمر، فإن شربها مكرهًا، فلا حد عليه، ولا إثم، ويستوي في ذلك كل صور الإكراه، كالإكراه بالوعيد والتهديد أو الضرب الذي لا يحتمل،
...وكذلك ما لو ألجأه أحد إلجاء بفتح فمه ليصب فيه الخمر صبًّا. ودليل ذلك واضح في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
· وماذا لو شرب الخمر مضطرًا، هل يقام عليه الحد أم لا؟ قالوا: لو شرب الخمر مضطرًّا، كما لو كان الشارب شرب الخمر لدفع غصة استقرت في حلقه أو صدره، وليس من ماء عنده أو شراب مباح، فلا بأس بشرب الخمر حينئذ لدفع غصة وإذهابًا لخطر، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ((فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)).ذلك الذي اتفقت عليه كلمة الفقهاء، بلا خلاف.
· وإذا قلنا بوجوب الحد، ووجب الحد واستحق الشارب، فإن هناك ثمة أحكام يجب أن تراعى.
· من جملة تلك الأحكام أنه لا يقام الحد على السكران حتى يصحو، وذلك لكي يتحقق الزجر والتنكيل بالمحدود، فإن السكران قد لا يستشعر فداحة العقوبة أو قد لا يحس أو لا يشعر بالألم حال سكره، وهذا قول الجمهور من أهل العلم.
ومن الأمور الأخرى التي تراعى: ماذا لو شرب الخمر شخص عدة مرات قبل أن يقام عليه الحد؟ فهل يجب حد واحد؟ أم يتكرر الحد تبعًا لتكرر الشرب؟
· الفقهاء في بيان ذلك يقولون: لو شرب الشخص عدة مرات قبل أن يقام عليه الحد وجب في حقه حد واحد للجميع بغير خلاف.
· أيضًا من الأمور التي تراعى عند إقامة الحدود أنه لا ينبغي أن يساء للشارب حال إقامة الحد عليه بما يؤذيه من بذاءة القول، كالسب والشتم ونحو ذلك من سيئ القول، فإن ذلك لا يجدي، ولا يغني من المسألة والأجدى من نبذ الشارب بالسباب والشتائم أن يدعى له بالخير والهداية والغفران. هذا فيما يتعلق بالأمور التي ينبغي أن تراعى عند إقامة حد الشرب، وكذا سائر الحدود.
Bab12 حد السارق وأحكامه وشروطه
مفهوم السرقة: السرقة في الشرع هي أخذ المال على وجه الاستخفاء والاستتار مع تمام الشروط التي سوف تستوضح أثناء المحاضرة.· مع ملاحظة أن هناك ثمة فرق بين السرقة في حقيقتها ومدلولها العملي، وبين كل من: النهب، والغصب، والاختلاس، والخيانة، فقد يتوهم البعض أن هذه الممارسات تصنف على أنها سرقة، ومن ثم تستوجب الحد، ولكن ثمة فرق، كما قلنا.
· فالسرقة: هي الأخذ من المسروق منه، وهو لا يعلم، مأخوذ هذا الكلام من مسارقة النظر، ومنه قوله تعالى: ((اسْتَرَقَ السَّمْع))
· أما النهب: فهو أخذ المال بالقهر والغلبة.
· وأما الغصب: فهو أخذ المال قهرًا وظلمًا.
· وأما الاختلاس: فهو الاختطاف بسرعة، وعلى غفلة، ثم يعقبه هروب
وأما الخيانة: فهي تعني التفريط في الأمانة.
· والمراد تحقيقه هنا أن السارق هو من أخذ شيئًا خفية من موضع كان ممنوعًا من الوصول إليه، والموضع هذا يطلق عليه في الفقه الإسلامي الحرز.
· أدلة قطع يد السارق.
· أما الكتاب، فهو قول الله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّه)).
· أما الأدلة من السنة فهي كثيرة ومستفيضة، وكذلك قد أجمع العلماء بغير خلاف على وجوب إنزال الحد بالسارق، وهو القطع؛ إذا ما تحققت شروط السرقة الكاملة.
· وبذلك، فإن الحد على السارق مفروض لا محالة إذا تحققت الشروط الموجبة للقطع خلافًا للمنتهب أو المستلب أو المختلس أو المغتصب أو الخائن، وذلك لأن مناط الحكم الذي يوجب حد القطع هو أخذ الشيء خفية من غير أن يعلم المسروق منه، وفي هذا المعنى يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس على خائن، ولا
...منتهب، ولا مختلس قطع)).
· شروط قطع يد السارق:
· الشرط الأول: أن يكون السارق مكلفًا، التكليف كما نعلم منوط بالعقل والبلوغ والاختيار.
· الشرط الثاني: أن يكون المسروق مالًا متقومًا.
· الشرط الثالث: أن يبلغ المسروق النصاب.· الشرط الرابع: هو أن يكون المسروق محرزًا. · الشرط الخامس الموجب للقطع: فيكمن في أن تكون هناك دعوى أو خصومة يقيمها مالك المسروق.
· الشرط السادس الموجب للقطع: إمكانية إدخار المسروق، وهذا الشرط لعل أبرز وأشهر ما قال به فقهاء الحنفية.
· الشرط السابع: انتفاء الشبهة.
· الوسائل التي تثبت بها السرقة
لا ينبغي أن يقطع السارق إلا بدعوى من المسروق منه وهو صاحب المال حتى ولو اعترف السارق أو قامت عليه بينة بأنه سرق، لأن الخصومة معتبرة شرطًا لظهور السرقة وتنفيذ الحد. ووجه ذلك -كما نوهنا من قبل- أن المال المسروق ربما كان مباحًا للسارق من خلال سبب من الأسباب، من أجل ذلك كانت المطالبة المتمثلة في الدعوى ضرورية من المالك؛ إذهابًا للشبهة، وهو ما ذهب إليه جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة.
· أما المالكية فقد اتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين وبإقرار من السارق إن كان ذلك عن طواعية، ومن ثم فبناء على كلامهم أنه لو أقرَّ السارق على نفسه بأنه سرق قُطِعَ، شريطةَ أن يكون حين الإقرار طائعًا وليس مكرهًا، أيضًا قالوا: إن المقر على نفسه بالسرقة له أن يرجع عن الإقرار ولا حدَّ عليه.
كيفية القطع:
· أن تقطع يده اليمنى من مفصل الكوع أي: أعلى الكف، ولا ينبغي القطع بأزيد من ذلك بما يتجاوز الزند، وفي هذا المعنى أخرج البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((قطع يد السارق من المفصل)).
ومن المعقول كدليل على القطع من المفصل أن البطش باليد عادةً يتم عن طريق الكف إلى مفصل الكوع، وقد أوجبت الشريعة الديةَ كاملةً بقطع اليدين من مفصل الكوع وفي اليد الواحدة حتى مفصل الكوع نصف الدية، وفيما زاد عن ذلك وجبت فيه حكومة، أي: تقدير لقدر الجرم يقدره المختصين في هذا الأمر.
· ومن رحمة الشريعة الإسلامية على القاطع حتى لا تحدث السرايا عند القطع، قالت الشريعة بوجوب حسم الجرح؛ كي لا يستمر النزف فيهلك المقطوع، والحسم معناه: أن توضع اليد من موضع القطع في زيت يغلي، فتحسم بذلك العروق، ويتطهر الجرح، وينقطع النزف.
· لكن ماذا إذا لم تكن للسارق يد يمنى؟ قالوا: قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، وإذا كانت اليمنى ناقصة الأصابع أو بعض الأصابع قطعت؛ لأن اسم اليد يقع عليها. إلا أنهم قالوا: إذا كانت اليمنى شلاء فلا ينبغي أن تقطع؛ لأنها كالمعدومة، وتقطع بدلًا منها رجله اليسرى، وإذا سرق ثانيةً وجب أن تقطع رجله اليسرى من مفصل الكعب دون زيادة؛ لأن هذا الجزء يطلق على الرجل وهو ما يجب به نصف الدية، وإذا قطعت رجلُه اليسرى
...وجب أن تُحسم بالزيت المغلي، أو بأي وسيلة من وسائل العلاج؛ حسمًا للدم أن ينزف، وتطهيرًا للجرح.
· أما لو سرق ثالثةً ورابعةً هل تقطع يده اليسرى ثم رجله اليمنى؟ أم ينبغي الاقتصار على القطع في اليمنى واليسرى، ونلجأ إلى التعزير؟ ثمة خلاف بين العلماء في هذه المسألة
Bab13 حد الحرابة وجريمة البغي وأحكامهما
ماهية الحرابة: عرفها الكاساني في بدائعه حيث قال: إنها الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمنع المارة عن المرور وينقطع الطريق، سواء كان القطع من جماعة أو من واحد بأن يكون له قوة القطع، سواء كان القطع بسلاح، أو غيره من العصا والحجر والخشب، ونحو ذلك؛ لأن انقطاع الطريق يحصل بكل من ذلك، وسواء كان بمباشرة الكل أو التسبيب من البعض بالإعانة والأخذ.
شروط حد الحرابة: الشرط الأول: أن تقع الجناية أو الجريمة في خارج المصر، وهذا قول قال به الحنفية والحنابلة في قول لهم
· ذهب المالكية والشافعية والظاهرية والحنابلة في الراجح من مذهبهم إلى وجوب حد الحرابة على الذين يقطعون الطريق في داخل المصر وفي خارج المصر؛ وذلك لأن الآية تتناول بعمومها كلَّ محاربٍ.
· الشرط الثاني: أن يكون مع المحاربين سلاح، خلافًا للظاهرية، فإنه يستوي عندهم ما لو كان المحارب حاملً
...سلاحًا أو غيرَ حاملٍ.
· الشرط الثالث: العدوان جهارًا وقهرًا، وذلك يتحقق في أن يعتدي قطاع الطريق على المارة مجاهرةً في غير تلصصٍ ولا اختطافٍ، ويتحقق أيضًا بأخذ المال من المارة بالقهر والغلبة.
· أما الشرط الرابع: فيتحقق في أخذ المال من حرز، والخامس: أن يبلغ المال المأخوذ النصاب، على تفصيل في ذلك.
· الشرط السادس: التكليف، ومعلوم أن التكليف منوط بالعقل والبلوغ؛ ومن ثم فمَن كان غير عاقل ولا بالغًا بات غيرَ مكلفٍ.
· الشرط السابع: أن يظفر بهم الإمام قبل أن يتوبوا، ومن ثم إذا ظفر بهم الإمام قبل توبتهم أقام عليهم حد الحرابة تبعًا لما قارفوه أو ارتكبوه من جنايات، وفي تلك الحالة لا تنفع التوبة ولا تدفع عنهم عذاب الحد، لكنهم إن
...تابوا قبل اقتدار الإمام عليهم أو قبل قبض الإمام عليهم، امتنع الإمام عن عقابهم بالحد؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))
· وهناك شروط أخرى عند فقهاء الشافعية والحنابلة تكمن في الإسلام، ومن ثم وتأسيسًا على هذا الشرط، فقد قالوا: إن الكفار ليسوا بقطاع طريق حتى وإن أخافوا السبيل، وقتلوا وأخذوا الأموال، وقد استندوا في ذلك إلى الظاهر من قول الله تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)).
أحوال قطع الطريق:
· الحال الأول: أن تكون الجناية من القاطع بالقتل وأخذ المال، فللعلماء في ذلك تفصيل.
· الحال الثاني يتمثل في أن تكون الجناية بالقتل من غير أخذ المال، وجزاؤه هنا القتل من غير صلب، وهو ما ذهب إليه الجمهور
الحال الثالث: أن تكون الجناية بأخذ المال من غير قتل، والجزاء هنا أو العقوبة هنا أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى هو معنى قوله تعالى: ((مِنْ خِلَافٍ)) والقصد من القطع: ((مِنْ خِلَافٍ)) ما فيه من رفق بالمقطوع، فهو لو قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لَمَا استطاع أن يمشي أو يقف، وفي ذلك من العنت والشدة ما فيه، وفوق ذلك فإن الجاني بأخذ المال عليه إعادة ما أخذ إلى صاحبه؛ لأنه بجنايته يكون ضامنًا، وللمالكية أيضًا رأي آخر في هذه الحال الثالثة، حيث يقول: إن الإمام مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه.
· الحال الرابع: أن تكون الجناية بمجرد التخويف ونشر الذعر في طريق المسلمين من غير قتل ولا أخذ لمال، وهنا تكون عقوبة المحاربين النفي من الأرض؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ((أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)).
· الحال الخامس: التوبة من المحاربين قبل الاقتدار عليهم: وهنا نقول: فإن تاب هؤلاء قبل أن يقدِرَ عليهم السلطان فقد سقطت عنهم حقوق الله -تبارك وتعالى- وبقيت عليهم وفي ذمتهم حقوقُ الآدميين من الأنفس بالقصاص،
...ومن الأموال بتضمينها واستردادها، ومن الجراح بالقصاص إن أمكن، أو الأروش عند عدم الإمكان، وذلك إن أصر أصحاب الحقوق على أخذها
حكم الردء: "المعاوِن أو المساعِد لقطاع الطريق":
فالردء في اللغة: يعني المعين، أما موقع الردء في الحرابة وبين قطاع الطريق: فهو أن يكون مؤيدًا ومناصرًا ومعاضدًا للمباشرين منهم.
حكمه: ذهب فقهاء المالكية والحنابلة إلى وجوب قتل الردء، وأنه والقاطعُ المباشر في الحكم والعقاب سواءٌ. ويعزز هؤلاء ما قالوه ما ورد في مقالة عمر في المتمالئين على القتل عندما قال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا
أما فقهاء الحنفية والشافعية قالوا: لا يجوز قتل الردء وإنما يُقتل مَن باشر القتل أو أخذ المال بنفسه، واستدلوا
...لذلك بعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث..)) وعلى هذا فليس مَن قتل عند فقهاء الحنفية والشافعية إلا على القاطع المباشر، أما الردء فإنه يعزر؛ لأنه أعان على معصية.
· أما لو قَتَل بعضُهم وأخذ البعضُ الآخر المالَ، فهو على الخلاف الذي بيناه سابقًا، وجملته: وجوب القتل على الذي قتل، ووجوب القطع من خلافٍ على الذي أخذ المال، وهو قول الجمهور خلافًا للمالكية، إذ قالوا: للإمام الخيار في ذلك تبعًا للمصلحة، فإن شاء القتل وإن شاء القطع أو النفي أو التعزير.· البغاة جمع ومفرده: الباغي، وهو من البغي ويعني: الظلم والعدوان، ومنه: الفئة الباغية، أي: الخارجة عن طاعة الإمام. وعلى هذا فيمكننا أن نقف على معنى البغاة، ونحدد أهل البغي: بأنهم هم الخارجون على الإمام يبغون خلَعه، أو يمتنعون عن الدخول في طاعته على سبيل التأويل لا الجحود
من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس قاتل أبو بكر -رضي الله عنه- البغاةَ والمرتدين. فأما البغاة فهم الذين منعوا الزكاة بتأويل منهم، وكذلك فإن عليًّا -رضي الله تبارك وتعالى عنه- أيضًا على هذا الأساس، قاتل طائفة أبوا الدخول في بيعته وهم أهل الشام، وقاتل طائفة أخرى أعلنت خلعه وهم أهل النهروان
Bab14 حد الردة وأحكامه والآثار المترتبة عليه
الردة في اللغة: من الارتداد، وهو يعني: الرجوع. أما في الاصطلاح الشرعي: الرجوع عن دين الإسلام، إما بالتصريح بالكفر، وإما بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه. فهي: ردة بالقول، وردة بالفعل، وردة بالاعتقاد.
· بم تحصل الردة ؟ لا خلاف في أن الردة تحصل بجحد الشهادتين، أو إحداهما، أو بسب الله تعالى، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو جحد كتاب الله، أو شيء منه، أو أحد من أنبيائه، أو كتاب من كتبه، أو فريضة ظاهرة منصوص عليها مما علم من الدين بالضرورة، ومما يشترك في فهمه الخواص والعوام كالصلاة، فإن تاركها عن جحد لها، أو استخفاف بها يعتبر كافرًا، وكذلك الأمر في الزكاة، والصيام، والحج، وكذلك استحلال محرم مشهور أجمع الفقهاء عليه، كتحريم الخمر، والخنزير، والميتة، والزنا، ونحو ذلك.
· تحصل الردة بالتحول عن ملة الإسلام؛ لاعتناق أي ملة من الملل، كما لو اعتنق المرتد اليهودية، أو النصرانية، أو الوثنية بكل صورها، وأشكالها، وكذلك بالتحلل من ملة الإسلام، والتشبث بالإلحاد حيث التمرد، والجحود
...المطلق للدين، وإنكار الألوهية، كما لو اعتنق الشيوعية، أو الوجودية، أو نحو ذلك من عقائد الإلحاد.
· تحصل الردة بكل فعل يتضمن الكفر، كإلقاء المصحف الشريف في القاذورات، أو الوطء عليه بالقدمين بقصد الإهانة، والتحقير، والعياذ بالله، أو السجود لصنم من الأصنام، كما لو سجد شخص للشمس، أو القمر، أو الليل، أو النهار، كذلك من الردة: سب الدين، فالاعتداء على الدين بالسب، والشتم يعتبر من صور الكفر، وهي صورة يخرج بها الساب الشقي من ملة الإسلام، ليكون من المرتدين الذين يستتابون، وإلا وجب عليهم القتل دون تردد، ولا شك أن سب الدين أمر كثر وقوعه في وقتنا الحالي، خاصة بين الشباب والشابات دون أدنى علم عن ما يترتب على هذا التلفظ من عقوبة، وما دعاهم إلى ذلك لا شك إلا بعدهم عن تعاليم الدين الحنيف، وعدم تفقههم بأوامر الدين، وإلا لامتنعوا إذا علموا أن العقوبة تكمن في القتل، فالذي يسب الدين لا جرم أن يكون كافرًا مرتدًا. وذلك الذي تبينه النصوص الكريمة من الكتاب والسنة، وهو أيضًا ما تتفق عليه أقوال العلماء
استتابة المرتد: للعلماء فيها قولان:
· القول الأول: للحنفية، والمالكية، وأحد قولي الشافعي، ورواية كذلك عن الإمام أحمد، حيث قال هؤلاء: إن المرتد يجب أن يستتاب قبل قتله ثلاثة أيام، بلا جوع، ولا عطش، ولا معاقبة، وإذا استمر المرتد في ردته، ورفض التوبة، أو العودة إلى حظيرة الإسلام وجب قتله. وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، ومنهم: عمر، وعلي، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وغير ذلك، واستدلوا لما ذهبوا إليه: بحديث جابر: ((أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت، وإلا قتلت)) أي: أن هذا الرأي يقوم على استتابة المرتد، وإعطاؤه المهلة الكافية المقدرة بثلاثة أيام؛ حتى يتمكن إمام المسلمين من إزالة ما عنده من شبهة، أو من فكر مغلوط عن الإسلام، وحتى نقيم عليه الحجة قبل أن يعاقب بالعقوبة المقررة، وهذا فيه من العدل ما فيه، وفيه من الرحمة ما فيه
· أما عن القول الثاني: وهو للشافعي في قوله الثاني، ورواية عن أحمد: أنه لا يستتاب، بل يقتل على الفور، ولا يؤخر؛ حتى لا يؤخر لله حق. واستدلوا لذلك، بعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من بدل دينه فاقتلوه)) فهو بإطلاقه، لا يفيد التقييد بالاستتابة، بل الأمر يتعلق بالقتل على الفور.
· ولكن من بين هذين الرأيين يرجح القول الأول؛ وذلك لما يعززه من استدلال بالنصوص. وكذلك فإنه يستدل بالمعقول على ترجيح القول الأول.
مقتضيات الردة:
· القتل.
· إحباط العمل.
· انهدام النكاح.
· زوال الملكية عن ممتلكات المرتد.
· لا تحل ذبيحته.
· ينقطع نظام التوارث بين المرتد، وغيره ممن كان يرثه، أو يورثه في الأصل
Tidak ada komentar:
Posting Komentar