Bab9 أنواع الدعاوى وتعارضها
تنقسم الدعاوى وتتنوع إلى أقسام وأنواع عديدة، وكلها ترجع إلى اعتبارين هما: صحة الدعوى أو عدلها، وأنواع الشيء المدعى به.
· والدعوى بالاعتبار الأول إما صحيحة، وإما فاسدة، وإما باطل. والصحيحة ما توافرت فيها كل الشروط، وتقتضي أن يترتب عليها كل أحكامها، والفاسدة ما اختل فيها شرط يمكن إصلاحه، والباطلة ما اختلت فيها الشروط الأساسية.
· وأما أنواع الدعوى بالاعتبار الثاني فهي: دعاوى التهمة وغير التهمة. ودعاوى متعلقة بالأعيان أو الديون، أو الحقوق، ودعاوى تتعلق بالحقوق الأصلية وأخرى بالحيازة.
· وتعارض الدعاوى أمر هام جدًّا؛ لأنه قد يحدث، وبضاد التمانع بين الدليلين مطلقا، بحيث يقتضي أحدهما غير ما يقتضيه الآخر، والمقصود بتعارض الدعاوى أن يُسبق من المدعي ما يعارض دعواه، بحيث يستحيل الجمع بين السابق واللاحق، والتعارض بهذا المعنى يمنع السير في الدعوى؛ ولذا اشترط الفقهاء لوجود هذا التعارض ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الأمران الصادران من شخص واحد أو كالشخص الواحد.
· الثاني: ألا يقع من المدعي توفيق بين هذا التعارض يكون توفيقًا مقبولًا.
· والثالث: ألا يكون الكلام الأول قد كُذِّبَ بحكم شرعي عن طريق القضاء، فإن لم يختل شرط من هذه الشروط فلم يكن هناك تعارض يمنع سير الدعوى.
· والمقصود بتعارض البيِّنتان، أي أن تثبت صحة كل منها نفي الأخرى، فإذا تعارضت البيِّنتان وأمكن الجمع بينهما فعل ذلك، وإلا لجأنا إلى الترجيح.
· وللفقهاء وجوه من الترجيح للبيِّنات عند تعارضها، فالحنفية يرجِّحون لكون العين المتنازع عليها في يد أحدهما، أو في يد أجنبي، أو تقترن بيِّنة بتاريخ دون الأخرى، أو بتاريخ سابق، فإن تساوتا في كل الوجوه، فإن أمكن تقسيم العين المتنازع فعل، وإلا تساقطتا. ولا يرجح الحنفية بزيادة عدالة ولا كثرة شهود.
· وعند المالكية المشهور في المذهب الترجيح بكثرة الشهود وزيادة العدالة، ويكون بقوة الحُجَّة أو زيادة تاريخ .
...أو سبقة أو أي سبب أخر مُرجِّح
وعند الشافعية عند التساوي تقدم بِّينة صاحب اليد لقوته، فإن كانت العين المتنازع عليها مع ثالث تساقطت البينتان، وهم كالحنفية ولا يرجحون بكثرة شهود ولا زيادة عدالة
وعند الحنابلة والمشهور عن أحمد، أنه عند التعارض تقدم بيِّنة المدعي ولا يلتفت إلى بيِّنة المدعى عليه للحديث الصحيح في ذلك، وعنه روايات أخرى
Bab10 شروط الدعوى
يشترط في الدعوى عدة شروط:
· ألا تكون الدعوى مناقضة أو معارضة لدعوى سابقة، وأن تكون الدعوى بتعبيرات جازمة وحاسمة لا توحي بشك أو ظن إلا في دعوى التهمة، فيجوز منها أن تكون بصيغة تحتمل الشك أو الظن، وأن يذكر المدعي في دعواه الحق الذي يطلبه، وفي ذلك خلاف فمن الفقهاء من اكتفى عن ذلك بدلالة الحال، وقد اشترط أبو حنيفة أن تكون الدعوى بلسان المدعي عينًا؛ لأنه لا يجيز التوكيل في الخصومة، والراجح عدم اشتراط ذلك لجواز التوكيل بالخصومة.
· ويشترط في كل من المدعي والمدعى عليه شرطان: الأول الأهلية؛ لأن الدعوى تصرف يترتب عليه حكم شرعي، وقد اكتفى بعض الفقهاء بالأهلية الناقصة، ولكنَّ جمهورهم اشتراط الأهلية الكاملة. لكن استثنوا بعض الحالات لا يشترطون منها كمال الأهلية. والشرط الآخر هو شرط الصفة، ومعناه أن يكون كل من المدعي والمدعى عليه ذا شأن في القضية التي أثيرت حولها الدعوى، وأن يعترف الشارع بهذا الشأن ويعتبره كافيًا لتخويل المدعي حق الادعاء، ولتكليف
...المدعى عليه بالجواب والمخاصمة.
· ويشترط في المدعى به أن يكون معلومًا، بمعنى أن يتصور ويتميز في ذهن كل من المدعي والمدعى عليه والقاضي حتى يتسنى الحكم فيه، وفصل النزاع حوله، ولا يتأثر ذلك في غير المعلوم، وذلك يكون بتحديده قدرًا وصفةً، ويختلف ذلك حسب نوع المدعى به، أهو عين أو دين، وهل هو عقار أو منقول،...إلخ.
· كما اشترطوا في المدعى به أن يكون محتمل الثبوت، أما إذا كان مستحيلًا فمن العبث إجراء الدعوى به، كأن يدعي شخص نسب شخص له وهو أكبر منه سنًّا، أو لا يولد مثله لمثله، كما اشترطوا أن يكون المدعى به حقًّا أو ما يمكن أن ينتفع به في الحق، بمعنى ألا يكون عبثا بأن تكون الدعوى في مدعى به، كان هناك غرض صحيح شرعًا في الحكم به للمدعي
Bab11 أقسام المدعى عليه، والمدعى له، ومكان الدعوى (مجلس القضاء)
ينقسم المدعى عليه أربعة أقسام:
· الأول: الحاضر الرشيد، ويشترط فيه ما يشترط في صاحب الدعوى الصحيحة.
· الثاني: الصغير والسفيه المولى عليه، وهو نوعان: ما يلزمهما في أموالهما، وما لا يلزمهما في أموالهما، والقاضي لا يسمع الدعوى بالنسبة لأي منهما إلا في الأمور التي تلزمهما في مالهما، كالغصب ونحوه.
· الثالث: الغائب, وهو عند الجمهور من غير الحنفية، وهو قد يكون في البلد مختبئا فهذا يحكم عليه القاضي، والغائب في مسافة قصيرة يرسل إليه إما أن يحضر, وإما حكم عليه القاضي, والمفقود ونحوه حكم عليه القاضي في الأصول المالية وغيرها، وإلا خاطب القاضي قاضي بلده إن طلب المدعي ذلك.
· الرابع: في مال الميت، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت موته, فإن كان الوارث رشيدا ومقرا بالدعوى لم يحتج القاضي إلى إثبات وإلا طالب القاضي المدعي لإثبات, فإن كان للورثة مدفع وإلا حلف القاضي المدعي يمين القضاء وحكم له، وإن كانت الدعوى بمال ولم يخلف الميت مالا؛ حلف القاضي الورثة أنهم لم يرثوا عنه شيئا
أما المدعى لهم بالنسبة لما يسمع من البينات لهم, وما لا يسمع, فهم ستة أقسام:
· الأول: كل من يريد تقديم بينة تثبت دعواه، فإن الواجب أن يمكن القاضي من ذلك.
· الثاني: من يريد إقامة بينة لصحة ما ادعاه لموكله، فإن القاضي يطالبه بإثبات أن له وكالة خصومة في ذلك.
· الثالث: من يريد إقامة بينة على صحة دعواه لقريبه أو جاره, فإن القاضي لا يقبل منه إلا بوكالة. الرابع: من يريد إقامة البينة على صحة ما ادعاه لغيره حسبة، وكان هذا الغير غائبا أو غير غائب، فإن أصحاب مالك يرون أن ذلك ليس من حق القاضي.
· الخامس: من يريد إقامة البينة على صحة ما ادعاه لمن هو في ولايته، وذلك لا يجوز إلا بتوكيل، حتى لو كان أبا وقد أضر الزوج بابنته، فإنها قد ترضى بتحمل الضرر.
· السادس: من يريد إقامة البينة على صحة ما ادعاه لنفسه أو لغيره, كالوارث بالنسبة لشركائه في الميراث فإنه يمكن من ذلك, فإن حكم القاضي عليه، فإن ذلك لا يكون قضاء على الغائب ما دام له وكالة منهم في ذلك
...وإن حكم له فإنه يحكم له بحظه فقط، وترك حظ الغائب في يد المطلوب حتى يقدم الغائب, فإن أرادوا أخذ حقهم بناء على الحكم الأول مكنهم منه بلا خصومة, ولا انتظار, ولا شيء.
· مجلس القضاء ينبغي أن يكون مريحا للقاضي والمتخاصمين، وفي جواز كونه في المسجد خلاف
Bab12 تنظيم سير الدعوى
يبدأ القاضي عند عرض الدعوى عليه بالنظر فيها, والتدبر في مدى صحتها أو نقصانها أو بطلانها، فالصحيحة يبدأ السير فيها، والناقصة يطلب استيفاء جوانب النقص فيها، والباطلة يردها.
· كما أنه ينظر في شروط هذه الدعوى، وهل استوفت شروط الصحة؟ وكذلك الأركان، وهل تدخل في اختصاصها من حيث النوع والمكان؟ فإن لم تكن ردها، وإلا بدأ السير في إجراءاتها.
· أول الخطوات العملية في سير الدعوى: دعوة الخصوم للحضور بطريقة صحيحة ومهذبة عن طريق معاونين من المحضرين ونحوهم، ومن لم يحضر مع وجوده لتعذره أو ترفعه أنذره، ثم حكم عليه، فإذا حضروا رتبهم في الدخول عليه، وساوى بينهم في مجلسه, وحدد المدعي من المدعى عليه، فإن كان المدعى عليه مقرا طالبه بتبرئة ذمته، ورد الحق لصاحبه، وإن أنكر طالب القاضي المدعي بالبينة، وناقش المدعى عليه فيها، وطلب إجابته عنها، فإن عجز المدعي عن تقديم البينة الحاسمة، حلف المدعى عليه بطلب المدعي.
· القاضي العالم العادل لا يجوز الاعتراض على قضائه، إلا إذا كان خطؤه واضحا, والقاضي العدل الجاهل يجوز
...قضاؤه الصحيح ويعترض على قضائه غير الصحيح، أما القاضي الجائر وإن كان عالما، فإنه يعترض على قضاياه الجائرة، ولكن ينبغي لولي الأمر ألا يفتح باب التشكي من القضاة خصوصا بعد عزلهم أو وفاتهم؛ لأن كل قاضٍ له خصوم ممن حكم عليهم بخلاف ما يرون, وهم يشنّعون عليه بغرض التشكيك في نزاهته, والنيل من سمعته
Bab13 طرق الحكم والإثبات
المقصود بطرق الحكم: الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى الحكم العادل، ولا بد أن تقوم هذه
الوسائل على الحق والعدل. والحق له دلائل تدل عليه وترشد إليه، ومنزلة الدليل من الحكم كمنزلة الروح من الجسد.
· والقاضي يطالب بأن يتحرى العدل، ويعتمد في حكمه على الحجة, وطرق الإثبات تتسع وتضيق حسب الملابسات المحيطة بكل قضية، لكن على القاضي أن يفهم أمرين: واقع الناس، وأن يعرف حكم الشرع في القضايا الكلية والجزئية، ويأخذ من هذه الأحكام ما يناسب الواقع فينزله عليه.
· وطرق الحكم الإثبات عند الجمهور سبع طرق، لكن بعض العلماء أوصلها إلى أضعاف ذلك.
· معنى البينة عند الجمهور أنها ترادف الشهادة، واستدلوا على وجهة نظرهم بعدد من الأدلة, كلها ترجع إلى استعمال القرآن الكريم والسنة المطهرة الشهادةَ في موضع البينة, كما في قوله تعالى في حد القذف: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ)) الآية [النور: ٤].
· ولما رمى هلال بن أمية زوجته بشريك بن سحماء, قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: ((البينة, أو حد في ظهرك)).
....وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في أكثر من قضية: ((شاهداك أو يمينه)).
· واستعمل القرآن الكريم الشهادة حجة في البيع، والدين، والوصية في السفر، والطلاق والرجعة.
· أما المخالفون للجمهور, فرأوا أن القرآن الكريم لم يستعمل كلمة البينة مفردة ولا جمعا إلا بمعنى الحجة، ولم يستعملها قط بمعنى الشهادة، وأن كل ما يبين الحق ويظهره يسمى بينة، ومن ذلك العلامات والقرائن كما في قوله تعالى: ((وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)) وقوله: ((وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [يوسف: ٢٧]، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل العلامات والقرائن أدلة للوصول إلى الحكم كما في دعوى أبي قتادة للسلب، وكما في معرفة قاتل أبي جهل وقد ادعاه ابنا عفراء، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- معرفة علامات اللقطة كالوكاء والعفاص دليلا على مدعيها, وكذلك حكم عمر برجم الزانية التي ظهرت عليها علامات الحمل, وزوجها غائب.
· والمتأمل لكلا الاتجاهين يرى أن الجمهور يستدلون بالقرائن والعلامات، لكن لفظ البينة عندهم خاص بالشهادة
....أما غيرها من اليمين والنكول والإقرار والقرائن, فإنهم يسمون كلا منها باسم ولا يسمونها بينة.
· أما المخالفون فيعتبرون ذلك كله بينات, والشهادة نوعا واحدا من البينات، وأن البينات هي كل ما يوضح الحجة، وعدد البينات كثير جدا حسب الأحوال والملابسات, ضيقا واتساعا
Bab14( أحكام الشهادة (١
الشهادة في اللغة تأتي بعدة معانٍ, منها: الحضور، والمعاينة، والقسم, والإبصار, والإخبار،
ويتعدى الفعل منها بالهمزة أو بالألف.
· والمراد بالشهادة في الاصطلاح: إخبار بحق للغير على الغير, في مجلس العقد.
· الشهادة بهذا المعنى الأصل فيها أنها فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقط الطلب عن الباقين، وقد تجب في حالة ما إذا طلب صاحب الحق من الشاهد أن يشهد له في حقه، كما تجب إذا تعينت عليه، وكذلك تجب إذا كان صاحب الحق لا يعلم بأنه شاهد؛ هذا كله بالنسبة لحقوق الآدميين.
· أما حقوق الله, وهي ما لا يملك المكلف إسقاطه كالطلاق والرضاع، فهي واجبة فيها كذلك, إلا في الحدود, فإن المكلف مخير فيها بين الستر والإظهار، والستر أفضل؛ لما ورد بشأنه من ثواب, ولثبوت تلقين المقر حتى لا يقام عليه الحد، وفي الشهادة على السرقة إن أراد الستر قال: إن فلانا أخذ مال فلان, ولا يقول: سرقه؛ لحفظ المال من المأخوذ منه
ومشروعيتها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. فمن الكتاب قوله تعالى
((وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ)) ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي, واليمين على المدعى عليه", وكذلك الإجماع ثابت على مشروعيتها
ويشهد على مشروعيتها العقل؛ لأن بها حفظ الحقوق، وقد تتعين طريقا للوصول إلى الحق, ومتى ثبتت الشهادة عند القاضي وجب عليه العمل بمقتضاها
٣- أركانها خمسة عند الجمهور: الشاهد، والمشهود به، والمشهود عليه، والمشهود له، والصيغة، وعند الحنفية: اللفظ الخاص الدال على الشهادة, وهو لفظ "أشهد
ويشترط لأدائها عدة شروط, منها: أن تكون في مجلس القضاء, وأن تكون في حضور الخصمين، وأن تكون بلفظ
"أشهد
عند بعض الفقهاء، وأن يحلف الشاهد، وأن يكون مبناها على العلم, لا على الشك أو الظن ولو كان غالبا؛
لورود الأحاديث في ذلك، ولأنه يترتب عليها الحكم في المدعى به
Bab15 أحكام الشهادة "٢"
يشترط في الشاهد عند التحمل: أن يكون بالغا، عاقلا, بصيرا, متكلما، وأن يكون عالما بما يشهد به.
· ويشترط في الشاهد عند الأداء: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والنطق، والعدالة، والتيقظ أو الضبط، وألا يكون محدودا في قذف إلا إذا تاب وعمل عملا صالحا, والذكورة في الشهادة على الحدود، وعدم التهمة.
· وما يرجع إلى المشهود به, هو: أن يكون معلوما، وأن يكون شيئا متقوما.
· وفي نصاب الشهادة، بعض القضايا لا تقبل فيها إلا أربعة من الذكور, وفي بعضها يشترط ثلاثة شهود، وفي بعضها شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان, وفي بعضها تقبل شهادة امرأتين فقط، وفي بعضها تقبل شهادة رجل أو امرأتين مع يمين المدعي, وفي بعض القضايا يكفي شاهد واحد كالطبيب والبيطار.
· الأصل في مستند علم الشاهد, هو العلم والمشاهدة والمعاينة, لكن بعض القضايا يكشف فيها بالسماع والمعاينة، وبعضها يكتفى فيه بالسماع.
· والشهادة بالسماع مراتب؛ منها ما يفيد القطع إذا كانت مبنية على السماع والمعاينة، ومنها ما يفيد الظن الغالب...
... القوي القريب من اليقين، وهي تلك التي تسمى بالاستفاضة، ومنها ما يفيد الظن الغالب ولكن أقل من المرتبة السابقة، وهي المبنية على شهادة عدلين فأكثر مع السلامة من الريب والاستفاضة.
· وعن المحل الذي تقبل فيه شهادة الاستفاضة والسماع, فالأقرب إلى الصواب: أنها تقبل في كل ما لا يتغير حاله, ولا ينتقل الملك فيه كالموت والنسب والوقف، وفي النكاح قولان.
· مراتب الشهادة متعددة:
· فمنها ما يوجب المشهود به, دون يمين.
· ومنها ما يوجب المشهود به, لكن مع يمين المدعي.
· ومنها ما يوجب حكما, ولا يوجب المشهود به؛ كشهادة عدل على الطلاق.
· ومنها ما لا يوجب المشهود به, لكن يوجب حقا على الشاهد, وهي نوعان؛ في الزنا، وفي غيره.
· وأخيرا الشهادة التي لا توجب شيئا؛ كشهادة الفاسق
Bab16 الإقرار
الإقرار في اللغة: الثبوت والتمكن، واصطلاحا: إخبار عن ثبوت حق للغير عليه لا إثباته, وهو من أقوى الأدلة.
· ودليل مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع والمعقول؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ((وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا))، ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا, فإن اعترفت فارجمها)) فاعترفت فرجمها.
· وقد اتفق الإجماع على حجية الإقرار، وكذلك العقل يشهد بحجيته؛ لأن الإنسان لا يكذب على نفسه. والإقرار يثبت حقا على المقر لا يتعداه إلى غيره.
· أركان الإقرار أربعة: المقر، والمقر له، والمقر به، والصيغة.
· ويشترط في المقر: أن يكون بالغا عاقلا مختارا رشيدا، وألا يكون متهما.
· ويشترط في المقر له: أن يكون أهلا للتملك، وعدم تكذيبه للمقر.
· ويشترط في المقر به: أن يكون منتفيا ملكه حال الإقرار، وأن يكون مالا متمولا، وأن يكون بيد المقر ولو مآلا
ويشترط في الصيغة: أن تكون بلفظ يشعر بالالتزام بحق من قادر على النطق، أو بإشارة مفهمة من غير القادر عليه، كما أن المعتمد جواز الاعتماد على الكتابة، إذا عرف الكتاب والختم وأمن التزوير والتلاعب.
· والأصل أن القاضي, أو الحاكم يحكم عقب الإقرار من المدعى عليه بثبوت حق المدعي, دون مطالبته المدعي بأية بينة.
· يبطل الإقرار بأحد أمور ثلاثة:
· رجوع المقر, إذا كان هذا الحق من حقوق الله؛ كالزنا.
· إذا كذب المقر له المقر, في حق من حقوق العباد.
· إذا تضمن الإقرار مساسا بحق الغير
Bab17 الحكم باليمين، والنكول، والقسامة
اليمين في اللغة تعني القوة؛ لأنها تقوي أحد جانبي الخبر، واليمين حجة على المدعى عليه وعليه أن
يقوم بها، وإذا رفضها كان ناكلا. واليمين أما أن ترفع الدعوى، أو تصححها، أو تقويها, وتسمى بيمين الاستظهار, ودليل مشروعيتها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم: ((ألك بينة؟)) فلما قال المدعى: لا, قال: ((لك يمينه)).
· وقد جعلها الشرع في جانب المدعى عليه؛ لأن جانبه قوي يوافقه ظاهر الحال، وجعل البينة على المدعي؛
لأن قوله يخالف الظاهر.
· النكول في اللغة: النكوص, أو الرد، أو الرجوع عن أداء الشهادة، أو عن العدد المقاوم, واصطلاحا:
امتناع المدعى عليه عن اليمين.
· ومن الفقهاء من رأى أن القاضي يحكم بمجرد النكول كالحنفية وموافقيهم, ومنهم من رأى أنه لا يحكم
بمجرد النكول، بل ترد اليمين على المدعي فإذا حلف ثبت له الحق وحكم به القاضي.
· ورفض الظاهرية الحكم بالنكول أصلا، وطالبوا القاضي بعقوبة المدعى عليه إذا نكل,....
....ومنهم من رأى أنه لا يحكم بمجرد النكول، بل ترد اليمين على المدعي فإذا حلف ثبت
له الحق وحكم به القاضي.
· ورفض الظاهرية الحكم بالنكول أصلا، وطالبوا القاضي بعقوبة المدعى عليه إذا نكل, وأمروه بحبسه حتى
يحلف أو يقر، لكن لا يحكم عليه القاضي بمجرد النكول، ولا يحلف المدعي؛ لأن هذا مخالف للوارد عن
حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث إنه جعل البينة على المدعي, وجعل اليمين على المدعى عليه,
ولم يرد عنه قط أن البينة ترد على المدعي، ومن حكم بذلك يكون قد حكم للمدعي بمجرد دعواه.
· القسامة هي الأيمان، أو هي خمسون رجلا من أهل المدعي يحلفون أن كلا منهم لم يقتله, ولا علم له بقاتله،
فإذا حلفوا استحق أهل المجني عليه ديته التي تجب على أهل تلك المحلة، والذي يقوي جانب الأخذ بهذه الأيمان
وجود اللوث، واللوث مختلف في تحديده؛ فقيل: العداوة الظاهرة, وقيل: الخصومة, وقيل: أية قرينة تشير إلى
جنايتهم
والقسامة توجب الدية؛ للحديث الصحيح في ذلك، وقال مالك: توجب القصاص في العمد،
لكن ذلك ضعيف؛ لأن الأيمان حجة ضعيفة والقسامة مبنية على الظن الغالب، فلا تراق بها الدماء المعصومة،
وكذلك لا يثبت بها النكاح, فلا يثبت بها القصاص من باب أولى
Bab18 الحكم بالقرينة
القرينة في لغة العرب تعني المصاحبة، وفي اصطلاح الفقهاء: ما تدل على أمر خفي مصاحب لها,
بواسطة نص, أو اجتهاد، أو فهم يفيضه الله على من يشاء.
· والقرينة على درجات, منها ما يفيد القطع، ومنها ما يفيد الظن أو مجرد الاحتمال، فالأول قوي والآخر
ضعيف، ولها ركنان: ركن مادي وهو الواقعة, ومعنوي وهو التعرف على هذه الدلالة الخفية.
· وقد ذهب الجمهور إلى حجية القرائن، ففي القرآن الكريم آيات عديدة على ذلك, وكذلك السنة النبوية،
وخالف بعض الفقهاء حيث رفضوا الاعتماد عليها؛ لأنها سبب ضعيف، لأنها تقوم على احتمالات مجردة.
· قد اختلف الفقهاء في اعتبار القرينة طريقا من طرق الإثبات, إلى قولين:
· الأول: يرى أنها حجة، وقد استدل أصحاب هذا القول ببعض آيات القرآن الكريم, كقوله تعالى:
((وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)), ومن السنة بما ثبت من أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بقول القافة
في ثبوت النسب, وسكوت البكر قرينة على رضاها بالزواج, وغير ذلك
القول الثاني: القرينة لا تصلح وسيلة من وسائل الإثبات, واستدل المخالفون بأن النبي
-صلى الله عليه وسلم- رفض رجم امرأة عليها علامات الزنا, لكن لا توجد بينة على ذلك، ولأن القرائن غير
مطردة ولا منضبطة، ولأن القرائن تبدأ قوية ثم تضعف, ولأنها مبنية على الظن, وقد رد الآخرون على ذلك,
بأن القرينة التي نأخذ بها هي القرينة القوية. وكذلك كونها تبدأ قوية ثم تضعف, هذا يمكن الاعتراض به على
كل وسائل الإثبات، ولأن العبرة بوقت الحكم.
· والراجح: اعتبار القرينة وسيلة من وسائل الإثبات في غير الحدود والقصاص، أما في الحدود والقصاص,
فلا يعتد إلا على القرائن التي تفيد القطع.
· القرينة أقسام حسب الجهة التي تصدر عنها, فمنها القرائن القانونية والقضائية والقرائن الشرعية.
· وللقرينة أهمية خاصة, فهي قد تكون الوسيلة الوحيدة كما في اعتبار الزواج الصحيح قرينة على نسب
الولد، وفي نحو اختلاف الزوجين في متاع البيت. وقد زادت أهمية القرينة في العصر الحديث،
....فأخذ بقرينة تحليل الدم لنفي النسب اعتمادا على علم الوراثة، والبصمة التي تكون
للجاني في موضع الحادث كقرينة لتأكيد اتهامه, والبصمة الوراثية في الدلالة على النسب.
· ومجال العمل بالقرينة واسع ومتعدد, فيشمل الأموال والأقضية والزنا، وغير ذلك من المجالات التي يصعب
حصرها
Bab19 الحكم بالقيافة
القيافة لغة: اتباع الأثر، واصطلاحا: خبرة الإنسان وفراسته في إلحاق الولد بأبيه؛ لوجود مشابهات خلقية بينهما، ولا يوثق إلا بمن كان صاحب خبرة.
· وقد اختلف الفقهاء في اعتبار القيافة وسيلة إثبات للنسب, إلى قولين:
· الأول: الجواز, وهو قول جمهور الفقهاء، واستدلوا بالسنة والإجماع والمعقول.
· أما السنة, فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث الملاعنة: ((أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطا فهو لزوجها، وإن جاءت به أكحل جعدا (قصيرا) فهو للذي رماها به)).
· وقد اتفق الإجماع على جواز إلحاق الولد بأبيه عن طريق القيافة.
· ومن المعقول أن القيافة مبنية على ظن راجح, مبني على قول صاحب خبرة, فيشرع الأخذ به كالأخذ بقول المقومين للسلع، والخرص في الثمار، وتحري القبلة, ونحو ذلك
ورفض أبو حنيفة ومن وافقه, وقد استدلوا بقوله تعالى: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)), ومن السنة بحديث الرجل الذي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- بشأن إنجاب زوجته ولدا مغايرا في اللون له, فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حدوث مثل ذلك للإبل مع أن اللقاح واحد, فرفض الأخذ بالشبه المجرد.
· واستدلوا بالمعقول, بأن الشبه يوجد أحيانا بين غير الأقارب, وأن الأقارب أحيانا لا يوجد بينهم تشابه.
· شروط العمل بالقيافة متعددة, فيشترط للعمل بالقيافة في مدعي النسب شرطان: الإسلام، والحرية.
· ويشترط في محل القيافة:
· أن يكون الولد مجهول النسب، ب- أن يكون الولد مما يمكن معرفته، ج- أن يكون الولد من ماء محرم.
· وتعتمد القيافة عند الاشتباه على أب حي لم يدفن، فإن مات فعلى التشابه بين الولد وأخيه أو أحد أقاربه من العصبات
ويشترط في القائف: أن يكون مسلما, عدلا، بصيرا, ناطقا، وانتفاء صداقته لمن يلحق الولد به، وألا تكون بينه وبين من ينفي عنه النسب عداوة, وأن يكون ذا تجربة في النسب, واختلفوا في اشتراط كونه ذكرا حرا، وتعدد القافة.
· قد وضع الفقهاء عددا من القواعد؛ بغرض ضبط استخدام القيافة وسيلة من وسائل إثبات النسب, وأهم هذه القواعد:
· وسائل الإثبات الأساسية مقدمة على القيافة.
· حكم القائف أقوى من مجرد الدعوى.
· حكم القائف أقوى من مجرد الانتساب.
· إذا تعارضت أقوال القافة؛ قدم الأولى منها
والغرض من وضع هذه القواعد: الاهتمام بالوصول إلى ما يؤدي إلى انتساب المولود إلى والده؛ مما يدل على عظم شأن النسب في شريعة الإسلام
Bab20 الحكم بالقرعة, وعلم القاضي
القرعة: المساهمة، واصطلاحا: حيلة يتعين بها سهم الإنسان ونصيبه, وهي مشروعة باتفاق العلماء في الجملة، ودليل مشروعيتها الكتاب والسنة, والغرض منها: تطييب القلوب، ودفع تهمة الانحياز عن القاضي.
· وتجري القرعة في أمور عديدة, منها:
· تمييز المستحق المعين في نفس الأمر عند اشتباهه، وتمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق لمبهم غير معين، وتمييز الأملاك وذلك في حالة الإقراع بين الشركاء، وفي حقوق الاختصاص، وفي حقوق الولايات عند التكافؤ.
· ولا تجري إذا تعينت المصلحة أو الحق, ولا تجوز في الأبضاع, ولا تجري القرعة لإلحاق النسب عن الاشتباه، ولا تجري القرعة في تعيين الواجب المبهم في العبادات، ويجبر الشركاء على قبول نتيجة القرعة.
· المقصود بعلم القاضي: علمه بالواقعة علما مباشرا، وقد اتفق الفقهاء على مسائل يجب على القاضي الحكم بعلمه فيها, من تلك الحالات: ألا يحكم بخلاف علمه، ويعمل بعلم القاضي في الجرح والتعديل، وكذلك يعمل بعلمه فيما يجري في مجلسه، وفي حقوق الله حسبة، وفي تغليب حجة على حجة, إذا كان علما بطرق المقارنة والترجيح
أما الحالات التي اختلف العلماء في وجوب العمل فيها، وهي غير الحالات السابقة، فقد اختلف الفقهاء إلى وجهات نظر متعددة:
· الأول: جواز حكم القاضي بعلمه, واستدلوا بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول, فالله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ)), ومن السنة بالحكم على أبي سفيان بالبخل السابق علمه بذلك, ومن المعقول أن منع القاضي من الحكم بعلمه, يستلزم توقف الأحكام, ويستلزم الحكم على من يفعل ذلك بالفسق.
· القول الثاني: الجواز مطلقا, إذا كان علم القاضي في أثناء حكمه وفي مجال اختصاصه, ومجال الحكم في هذه الحالة مقيد بعدم القضاء في هذه الحالة.
· القول الثالث: أن حكم القاضي لا يجوز.
· والراجح: أن حكم القاضي بعلمه مثير للجدل, وقد يثير التهم في نزاهة القاضي؛ لذلك أفتى متأخرو الحنفية بعدم جواز حكم القاضي بعلمه، بل يحكم بالبينات, خصوصا في الحدود
Tidak ada komentar:
Posting Komentar